تُعدّ آبل واحدة من أكبر الكيانات الحيوية في مجال التكنولوجيا على مستوى العالم، مما يمنحها القدرة على القيام ببعض الأمور التي تبدو مستحيلة تمامًا على غيرها، وهذا هو في الواقع ما يُميّزها عن باقي منافسيها، بل والابتعاد عنهم بفارق أكبر إذا ما نجحت في تحقيق أهدافها.
أكثر ما أثار دهشتي في أجهزة MacBook Pro المزوّدة برقائق M5 الأكثر قوة، هو ثبات سعرها، رغم التحسينات الكبيرة التي طرأت عليها، إلا أن هذا التوجه يعكس قوة آبل التفاوضية مع موردي المكونات الأصلية.
تأمين المخزون والسيطرة على الأسعار، يبدو ضربًا من الخيال على أي شركة تكنولوجيا في ظل الأزمة الراهنة. ومع تصاعد الأزمة لذروتها، آبل كانت واحدة من القلائل التي تمكنت من تأمين مخزونها الكافِ من شرائح الذاكرة العشوائية، في وقت لا تقتصر فيه أزمة السوق على نقص الرقائق فحسب، بل وترتفع فيه الأسعار بفوارق مرعبة أيضًا.
في ظل تصدّع سوق الهاردوير، ستكون السيطرة على تكاليف الإنتاج أمرًا مستحيلًا، ليس لأن آبل عاجزة عن ذلك، بل لأن الوضع الطبيعي الحالي يشلّ جميع شركات التكنولوجيا. وقد بدى بكل وضوح كيف خططت الشركات للتخفيف من هذه الأزمة.
ففي قطاع الهواتف الذكية، قامت Oppo برفع أسعار معظم هواتفها، وفي قطاع الألعاب، فرضت Sony زيادات كبيرة على أجهزة بلايستيشن 5، وفي قطاع الكمبيوتر المحمول، اتخذت شركات مثل ASUS و Microsoft و Dell و Lenovo خطوات استباقية لتجنب الخسائر والحفاظ على ما تبقى من هوامش الربح.
في الوقت الذي رفعت فيه معظم الشركات من أسعارها، لعبت الشركات الأخرى في مفاتيح المواصفات التقنية والتضحية ببعض الميزات المتطورة. في كلتا الحالتين، كان هذين الخيارين هما الطريقان المتاحين للتعامل مع هذه الأزمة.
كيف أبقت آبل على أسعار MacBook Pro M5 Pro رغم تفاقم أزمة الذاكرة؟
لكن بالنسبة لعملاق كوبرتينو، فالبقاء على الأسعار مع استمرار وتيرة التطور والابتكار كان أحد الطقوس التي اعتنقتها مع الجيل الجديد من أجهزة MacBook Pro.
هذا جعل الجيل الجديد أسرع، بمواصفات أحدث وأعلى من السابق، لكنه لم يتأثّر سلبًا بالظروف الحالية. هذه كانت الخطة طوال السنوات الماضية، ويبدو أنها لا تزال العقيدة المترسخّة رغم التقلبات والاضطرابات التي ضربت السوق.
ومن وجهة نظر المستخدمين، تبدو ميزة تنافسية يصعب تجاهلها – أن تحصل على الأفضل مقابل نفس السعر، في مرحلة يتجه فيها كل شيء بسوق التكنولوجيا نحو الارتفاع. وهذا التحرّك اللافت للنظر يُغيّر السوق ويجذب الجمهور ويُقنع المزيد من العملاء.
ولكن من وجهة نظر آبل، لا تقتصر الاستراتيجية على بيع أكبر عدد من الأجهزة فحسب، بل تتجاوزها إلى جذب المستخدمين إلى منظومتها وضمان بقاءهم بداخلها. فكلما زاد عدد مستخدمي أجهزة MacBook أو غيرها من أجهزة Mac بشكل عام، زادت جدوى خدمات واشتراكات الشركة، فضلًا عن رغبة المستخدم في اقتناء المزيد من أجهزة العلامة التجارية نفسها.
بالنظر إلى الوضع الراهن، وفي بيئة ويندوز 11، يُفكر المستخدمون ألف مرة قبل اتخاذ قرار الترقية إلى كمبيوتر محمول جديد بسبب الأسعار المبالغ فيها، بينما يوفر جهاز MacBook الجديد الترقية السنوية الدورية من الشرائح والتحديثات الأكبر بنفس السعر، مما يجعله أكثر جاذبية لشريحة أوسع من المستخدمين، حتى وإن لزم الأمر هجرة نظام التشغيل الذي اعتادوا عليه لسنوات.
لقد اعتبرت آبل أن هذا هو الوقت المثالي لاستغلال الفرصة وتوسيع قاعدة جمهورها والتفوق على منافسيها. فصفقاتها القوية مع الموردين تجعلها واقفةً على أرضِ صلبة عند التفاوض على السعر الأفضل لها. قد لا تبقى الأحوال على نفس الشاكلة لفترة طويلة من الوقت، لكن بعد عام أو عامين، لن يرغب المستخدم في تبديل نظام التشغيل مرة أخرى، خاصةً بعد ما لامسه بنفسه داخل نظام آبل البيئي.




